الرأي حر والحقيقة مجردة

د. معتز صديق الحسن يكتب … “الخـور” ولا “الـزول”

فجاج برس

جدير بالذكر

د. معتز صديق الحسن
mutazsd@hotmail.com

“الخـور” ولا “الـزول”

# عبارة صادمة ترددها الابنة
الصغرى كثيرًا -في هذه الأيام- وبمرارة تنقلها كما سمعتها من أحد باعة الفواكه بالسوق الكبير لمدينة عطبرة.
# وبحسب ما فهمت منه سريعًا فهي مستغربة وبالرغم من صغر سنها من حسده وطمعه وهو يلقي بالكثير من أصناف الفواكه المتعفنة مترنمًا ومرددًا لعبارة “الخور” ولا “الزول”.
# عليه لا استغراب بعد اليوم من خروج غالب الناس من سوق الفواكه وبعد الكثير من الجولات والاحتجاجات بالفرجة الحزينة لا الشراء وامتلاء “الأكياس”.
# وبكل تأكيد فليس مؤلمًا الخروج الفاضي منها وصفر اليدين بل الأكثر صدمة منه السماع ولو عن طريق الحكي للعبارة الكريهة والمؤثرة أرض الخور على جوف الإنسان.
# ليتعزز علينا حتى الموز والذي كان لوقت قريب جدا يطلق عليه فاكهة الفقراء فتعزز مثله ومثل الليمون عشان بالغنا في ريدو وصار فاكهة للأغنياء فقط.
# لأنه وفي آخر عهدنا بأسواق الفواكه وقبل أكثر من شهرين وصل سعر الكيلو منه إلى (400) جنيهًا ولا ندري ماذا فعل تعاقب الأيام فيه -من بعدنا- من زيادات؟
# وبالرجوع إلى عبارته قاتمة السواد تلك فإن الشواهد تؤكد أنه يقصدها تمامًا ولا يقصد بها مزاحًا خفيفًا أو ثقيلًا وإن كان مزاحًا فما أبغضه من مزاح.
# لأنه وبالنظر في الخور القريب منه تجد الأطنان من الفواكه المتعفنة والتي تعج بالديدان من كل الأشكال والألوان والذباب وغيرهما من الحشرات المختلفة.
# وهنا نؤكد على أن هذه العبارة الصادمة مكررة ومنسوخة في كل أسواق الفاكهة بكل مدن السودان وفي أسواقها المركزية سواءً في العاصمة أو الولايات.
# فإذا لم تسمعها بصورةٍ صريحةٍ ومباشرةٍ من الباعة فيمكنك مشاهدتها وتلمس آثارها في مجاري الخيران الموجودة بالقرب من تلك الأسواق.
# إذ تزدحم وبكميات من الفواكه المتعفنة والملقاة وسط قاذورات الأوساخ والمياه الآسنة والتي تتأفف الحيوانات من الاقتراب منها دعك عن أكلها.
# ومن المؤسف أنهم يفضلون بيعها بالغالي أو أن تتخمر بالتعفن ولا أحد يستطيع الوصول إليها سبيلًا وأي شئ يتبقى منها ليس بخسران معهم على الإطلاق.
# لأنهم وبلا خوف من الويل فهم يحسنون فيها فقط بيع التطفيف فإذا اكتالوا على أصحاب الجناين يستوفون وإذا كالوا أو وزنوا للمواطن المستهلك (فهم يخسرون).
# لذا لا غرابة في إقبالهم بفرح هستيري على ردم مجاري الخيران بالفواكه فيأكل من بعضها مضطرًا الطير والحيوان ولا أن يأكلها أو أن يستفيد منها أخوهم الإنسان.
# فهم يشترونها بتراب القروش ويبيعون قليلها بغالي الأثمان فيربحون الكثير ولكنهم عياذًا بالله يفضلون منح متبقيها الكثير للخور ولا الزول.
# وما يدل على طمعهم الكبير وغير المبرر في البيع إنه وفي إحدى المرات القريبة جدًا سألت أحد الباعة منهم كم سعر دستة القريب فروت “القرين”.
# ليرد سريعًا وبلا أدنى ذرة تعاطف (800) جنيهًا لأسأله وإذا عايز أبيع ليك بتشتري مني الدستة بكم لأنه لدي بعض الشجيرات المثمرة والمنتجة لأول مرة.؟
# وحتى لا أطيل عليكم وبعد كثير لف ودوران منه في الإجابة حاول أن يفهمني أولًا أنه يشتري الدستة ومعها (5) حبات هدية من صاحب الجنينة بسعر (200) جنيهًا.
# وعند موافقتي على ذلك السعر فاجأني بمقالة ثانية مغايرة تمامًا ومضاعفة: (بالله أنا قلت ليك دستة واحدة و (5) حبات أنا بقصد (2) دستة و (10) حبات هدية).
# الخلاصة أن صاحب الجنينة بعطيه (34) حبة أي (3) “دستات” إلا حبتين بسعر (200) جنيهًا ويبيعها هو بقرابة (2400) جنيهًا فأي مكسب هذا؟!
# لذا فلا استغراب من اعتزال غالب الناس لأعمال الزراعة واتجاههم لبيع القطاعي والسمسرة فيها طالما أن باعة التجزئة والوسطاء يكسبون أكثر من أصحاب الجنائن.
# والمثال الموضح لذلك فإذا نظرت إلى شيوخ الأسواق في الخضر والفاكهة وفي كل المجالات الأخرى وإلى اغتنائهم وسياراتهم فكل ذلك يزيل عنك العجب.
# ففي أي سوق صار لا يتم أية بضاعة معينة إلا لشخص واحد ليحتكر السوق جملة وتفصيلًا ومن ثم يتحكم في تحديد الأسعار العالية بحسب مزاجه وكيفما يتمنى.
# أخيرًا واستصحابًا لكل ما سبق فإنه يا ابنتي الصغيرة عمرًا والكبيرة فهمًا ويا كل أبناء وبنات السودان بدون فرز فإنه في عهدي وعهد أقراني من كل الآباء فلن يتغير شيءٌ.
# طالما ارتضينا بالسكوت على وجود مثل هذه العقليات التي تفضل إلقاء الفاكهة بين “أكوام الزبالة” على أن يأكلها الجوعي والفقراء والمحتاجون و… و…
# فالأمل معقود عليكم بأن تبنوا مستقبلًا زاهيًا وفي القريب العاجل والذي تدل عليه بشارات ملاحظاتكم وانفعالكم وعدم رضاكم بما يحدث منا من اختلالات.
# وبإذن الله سيكون حالكم مثل حال غالب مواطني الدول المتقدمة والذين ليس من بين همومهم الأكل والشراب وإنما تصب اهتماماتهم في مزيد من التطوير والإبداع والترفيه.
# والله نسأله لنا ولكم التوفيق وإصلاح الحال والأحوال. آمين يا رب العالمين. سبحانك اللهم وبحمدك أشهد ألا اله أنت استغفرك وأتوب إليك.