الرأي حر والحقيقة مجردة

د. عصام بطران يكتب …حراج” بنك السودان .. !

استراتيجيات

د. عصام بطران

“حراج” بنك السودان .. !!

  • المزادات العلنية “الحراج” والعطاءات تعد احدى الوسائل المتعلقة بمبدأ الافصاح والشفافية في ادارة الاموال العامة والخاصة ولكنها ايضا من اوسع الابواب للفساد ولعب “العشرة ورقات” والمضاربات المنهكة والشرسة بين المزايدين .. وقد عرف السودان عمليات البيع والشراء عبر المزادات العلنية منذ وقت طويل واشتهر من خلال هذا الفعل الاقتصادي العديد من الاسماء في عالم “الدلالة” المعروفة خليجيا ب”الحراج” منهم على سبيل المثال لا الحصر “دندش، دلش، دقاش” وغيرهم من كبار “الدلالين” .. ولكن الامر يختلف تماما فيما يخص المزايدة عبر المزادات العلنية في سوق المال لانه يتعلق بجوانب اقتصادية بنيوية تؤثر على مجمل الوضع الاقتصادي في البلاد بجانب عوامل تحفها كثير من المخاطر التي تتعلق بتحديد سعر العملة المحلية مقابل الاجنبية ..
  • عرفت المنطقة العربية مزادات العملة منذ وقت قريب وتعد العراق من الدول العربية الاولى التي اعتمدت هذا النظام في العام ٢٠٠٤م .. وعملت به جمهورية مصر العربية بعد الاتفاق الذي ابرمته مع صندوق النقد الدولي في نوفمبر ٢٠١٦م بعد حصولها على قرض بقيمة 12 مليار دولار امريركي مقابل تنفيذها سلسلة من الإصلاحات الاقتصادية ابرزها تعويم سعر الجنيه المصري وقد اسهم ذلك القرض في انعاش الاقتصاد المصري ونجاح تجربة بيع العملة عبر المزاد العلني فوصل سعر الجنية الى ١٥ ج بدلا عن ١٩ ج بعد ان قفز اليها من ٨ ج قبل غطاء العملة الاجنبية الذي وفره صندوق النقد الدولي مقابل حزمة الاصلاحات الاقتصادية التي قدمها للحكومة المصرية ..
  • حالة بنية الاقتصاد السوداني تربة غير خصبة لاجراء مزايدات بيع العملة عن طريق المزاد العلني وان كانت هي الطريقة المثلى في حال وجود احتياطات كبير من العملات الاجنبية في خزينة البنك المركزي ولكنها خطوة في طريق الالف ميل حال وفاء صندوق النقد الدولي بالتزاماته تجاه السودان .. فمن خلال التجربة الاولى لبيع العملة عبر المزاد العلني التي ابتدرها بنك السودان امس الاربعاء الموافق ٢٦ مايو ٢٠٢١م بحجم كلي ٤٠ مليون دولار  أمريكي ومن خلال التقرير الاعلامي الذي اصدره البنك لنتائج المزاد ظهرت الملاحظات والتساؤلات التالية:
    ١. ماهي معايير استيفاء الشروط التي منحت ال ٦٦ مزايد في المزاد ؟؟
    ٢. رسا المزاد على اسعار متعددة اعلاها ٤٢٠ ج وادناها ٤٠١ ج مقابل الدولار ..
    ٣. عدد المتقدمين للمزاد ١٣٧ مزايد عبر وكلائهم المصرفيين وتم قبول ٦٦ مزايد منهم اي بنسبة بلغت ٤٨% من عدد الطلبات فيما بلغت نسبة التنفيذ ١٠٠% اي تمت تغطية ٤٨% من عدد المزايدين وذهب ال ٥٢% منهم الى السوق الموازي ..
    ٤. من خلال تجربة المزاد الاول تكمن الخطورة في المزايدات للنقد الاجنبي في الاتي:
    ١. سيعتمد السوق الموازي السعر الاعلى الذي رسا عليه المزاد ٤٢٠ ج سعرا للدولار الرسمي بالموازي ..
    ٢. عجز بنك السودان عن الوفاء لطلبات المزايدين بنسبة تتجاوز ال ٨٠% من عدد المتقدمين للمزاد وهي نسبة الامان لتضييق الفجوة في رفع قيمة الحد الاعلى لرسو المزاد ..
    ٢. كلما قل غطاء العملة المطروح في المزاد وزاد عدد المزايدين وتم قبول طلبات اقل من ٨٠% سيرتفع سعر الدولار في كل عملية مزاد قادمة وسيعتمد صناع السوق في الموازي على تمرير سعر الحد الاعلى في مزادات بنك السودان ..
    ٣. هنالك مضاربين معروفين في سوق العملة لهم اسماء اعمال متعددة ورخص استيراد مختلفة يشاركون في المزاد ويمكنهم الفوز بالمزايدة حينها سيكون الدولار السلعي في حوزتهم حصريا ومن خلال ذلك ستنشط خلايا السوق الموازي بمحطات الخارج “الصين، كوريا، الامارات، السعودية، الصين، الهند” ..
    ٤. كما ذكرت في مداخلات سابقة ان دخول العملة الاجنبية في عمليات البيع بالمزاد العلني هي عملية تقوم على الافصاح والشفافية ومقابل ذلك لابد ان يعلن بنك السودان عن قوائم الشركات واسماء الاعمال التي ترسو عليها مزادات بيع العملة للوقوف على مدى التزامها بالوفاء في استيراد السلع المحددة في قائمة الاحتياجات الاستراتيجية للدولة ..
    ٥. ضرورة افصاح بنك السودان عن ارصدة الاحتياطات من العملة الاجنبية اذ هي جانب مهم في نجاح عمليات المزايدة الايجابية الامنة
  • الفساد المالي والاقتصادي موضوع معقد وشائك ومتعدد الاوجه وقد اختلف معظم الباحثين الاقتصاديين حول تحديد مشكلة الفساد كونها كبيرة ومرتبطة بفساد سياسي ولقد كثرت مسمياته حسب قيام الجهات الفاسدة بارتكاب مخالفات مالية واضحة الغرض منها الحصول على اموال المزادات بطريقة غير شرعية مما يؤدي الى الهدر في الاموال العامة واحتكارها في ايادي عدد من المضاربين الذين لايهمهم غير الاستيلاء على اكبر حصة من ناتج مزادات العملة واعادة تدويرها في الخارج اذا مالم ينتبه بنك السودان لهذا الامر فمن المؤكد فشل التجربة في ظل مؤشرات لاتبشر بخير من خلال وقائع المزاد الاول ..